محمد الغزالي
89
فقه السيرة ( الغزالي )
في غار حراء أخذت سنّ محمد صلى اللّه عليه وسلم تصعد نحو الأربعين ، وكانت تأمّلاته الماضية قد وسّعت الشقة العقلية بينه وبين قومه ، فأمست نظرته إليهم نظرة عالم الفلك - في عصرنا - إلى جماعة يؤمنون بأن الأرض محمولة على قرن ثور ، أو نظرة عالم الذرة إلى جماعة يتراشقون بالحجارة إذا تحاربوا ، ويتنقلون بالمطايا إذا سافروا . . . ذلك من الناحية الفكرية ، أمّا من الناحية النفسية ؛ فإنّ الإلحاد الذي شاع في الجاهلية ، وجعل أهلها يقسمون باللّه جهد أيمانهم لا يبعث اللّه من يموت ، هذا الإلحاد المغرق الطامس غزا نفوس الأخيار بالقلق البالغ ؛ إلى أين تصير هذه القلة الحائرة ؟ لئن كان الوجود - أولا واخرا - هذه الأعمار المستنفدة على ظهر الأرض . . . إنّ الفناء خير وأجدى ! ! . أما من بصيص نور خلال هذا الظلام المخيّم ؟ وكان محمّد صلى اللّه عليه وسلم يهجر مكة كلّ عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء ، وهو غار على مسافة بضعة أميال من القرية الصّاخبة ، في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة ، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل ، ويبدأ السكون الشامل المستغرق . . . في هذه القمة السامقة المنزوية كان محمد صلى اللّه عليه وسلم يأخذ زاد الليالي الطوال ، ثم ينقطع عن العالمين متّجها بفؤاده المشوق إلى ربّ العالمين ! . . . . وفي هذا الغار المهيب المحجّب ، كانت نفس كبيرة تطلّ من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم ، واعتداء وانكسار ، ثم تتلوّى حسرة وحيرة ؛ لأنها لا تدري من ذلك مخرجا ، ولا تعرف له علاجا ! ! . في هذا الغار النائي كانت عين نفّاذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل اللّه ، فتجده كالمنجم المعتم ؛ لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد